17 / 12 / 2018 م      ۲٦ / ۹ / ۱۳۹۷ هـ . ش
الاثنين
ربيع الثاني / 1440 هـ
٩

کل الأخبار

الشيعــة وضرورات الحشـد الثقــافي

2018-06-28

من يمتلك صناعة الاعلام يمتلك صناعة السياسة، فبقدرتك على بناء الرأي العام ومهارتك بتوجيهه تتحدد قوة تأثيرك في تجاه القرار السياسي.. وهو المبدأ الذي تعيه الساحة الشيعية لكنها لم تبذل جهداً للأخذ به عملياً، فأمست ضحية خصومها الذين حصروا دورها في زاوية ردود الفعل الضيقة.

الشيعة لا يمتلكون فضائية بقوة "الشرقية"، ولا جيشاً ألكترونياً بقوة جيوش خصومهم في تويتر وفيسبوك والأنستا، ولا منبراً حشدوياً يليق بعظمة دور حشدهم الشعبي وتضحياته وانتصاراته، ولا إعلاماً سياسياً محترفاً يستقريء ويحلل ويستبق غيره في المواجهة.. ومازالوا يفتقرون لقدرة إطلاق حملات إعلامية أو تعبوية بنفس قوة تأثير حملات خصومهم.. وهــذا أمـر في غايـة الخطــورة في زمن (الحـرب الناعمــة)..

من أسباب ذلك، أن الشيعة لم يعملوا كـ"شيعة" بل كأحزاب سياسية تتباين في بعض رؤاها، وحتى عندما اتفقوا على الحشد الشعبي تعاطوا معه كفصائل وعصائب وسرايا وكتائب على قاعدة (كل حزب بما لديهم فرحون)، فتشتت خطابهم وتفتت جهودهم التعبوية في وقت اتسعت فيه جبهة خصومهم واشتدت مواجهتها لهم.

كما أن الشيعة غلبوا المحسوبية والولاءات الضيقة في بناء مؤسساتهم الاعلامية والثقافية، وتعاطوا معها كمغنم مادي أو وجاهي دون حرص على استقطاب الكوادر المحترفة وذوي الخبرة والمهارات العالية المتكافئة مع الخبرات والمهارات الاحترافية لخصومهم التي عادة ما تصقلها وتطورها جهات مخابراتية دولية.. لذلك فإن ماموجود لدى الشيعة ليس (اعــلام سياسي) بل (إعــلان سياسي) يستنسخ بعضه البعض بسذاجة، ويفتقد لروح المبادرة والابداع، وللدهاء أيضاً في إدارة اللعبة وصناعة الرأي العام.

اليوم لدى الشيعة نحو (٣٤) فضائية تحت مظلة إتحاد الاذاعات الاسلامية، غير أن لكل منها هويته الحزبية المفضوحة التي ينفر منها جمهور الحزب الآخر، أو الطائفة الأخرى، أو القومية الأخرى.. لكونها لم تستطع أن تكون بحجم هويتها (الشيعية) ولا هويتها (العراقية)، وبالتالي انحسرت قاعدة مشاهديها، وتضاءل تأثيرها في ساحة الرأي العام.

واليوم أيضاً، نرى الخصوم هم من يتحكمون بالفضاء الالكتروني للشيعة عبر جيوشهم الالكترونية فيؤثرون بآرائهم ومواقفهم، كما رأينا ذلك في حملات المقاطعة الانتخابية و(المجرب لا يجرب).. ولا غرابة أن يطلق داعش حملة (#انقذوابابا) باسم الدفاع عن المخطوفين الشيعة فيهرول بعده الآراف دون دراية أنه يستغلهم لتشكيل ضغط على الحكومة لاطلاق سراح سجيناته.. فيما يطلق الجيش الالكتروني السعودي هاشتاك (#العراقمعكيالاخضر) وقبله (#داركيالاخضر) فيغتال الموقف العراقي ويظهره عاشقاً لقاتليه وألد أعدائه.

تلك هي (الحـرب الناعمـة)، تغيير مفاهيم وقناعات، وقلب حقائق، وتضليل بدهاء.. حرب تحول (السعودية) الرحم الذي ولدت منه العصابات الارهابية (القاعدة، وداعش) إلى أخ حميم، وتحول (إيران) التي نجدت العراقيين عسكرياً ولوجستياً ودعمت منع سقوط دولتهم إلى عــدو.. حرب تحول أبواق السعودية وأمريكا إلى وطنيين وحدويين، والحشد الذي ضحى وحرر الوطن الى (عملاء لايران)!!

وعليـــــــه.. فإن الانتصــار العسكري الذي حققه الحشد الشعبي في المعركة سيبقى مهدداً مالم يعد العدة بنفس الروح الجهادية المؤمنة لمواجهة (الحرب الناعمة)، من خلال تبني إيجاد مؤسسة أو هيئة ثقافية تنضوي تحتها كل الكوادر ذات الخبرات الاحترافية والمهارات العالية، لتشكل (الحشد الثقافي) الذي تتعدد مسؤولياته بين رصد المتغيرات الثقافية في الساحة العراقية، وتحليلها علمياً، ووضع خطط المواجهة لها.. فضلاً عن توحيد الجهود الاعلامية والثقافية وتنسيق آليات عملها بالقدر الذي يمكنها من مواجهة الخصوم، وإطلاق الحملات التعبوية، وخوض حرب الاشاعة "الحرب النفسية" وفق أسس علمية مدروسة توازي خبرات الخصوم.

ولنضع في رؤوسنا أن المرحلة القادمة أصعب، وأن الحرب الناعمة هي الأشد فتكاً بالشعوب والبلدان من أي معركة سلاح، لأن الأعداء سيخوضونها بأحب الناس لأنفسنا وهم أبنائنــا وأخواننــا، وليس بجيوشهم أو مرتزقتهم..

 

 نــزار العبـادي