کل الأخبار

النص الكامل لكلمة ولي أمر المسلمين الامام الخامنئي : المتلفزة بمناسبة ولادة صاحب العصر والزمان

2020-04-09

يجب أن لا يجعلنا فيروس كورونا ننسى مؤامرات الاستكبار وظلمهم للشعوب كما في اليمن وفلسطين

وجّه الإمام الخامنئي الخميس ٩/٤/٢٠٢٠ كلمة متلفزة مباشرة بمناسبة ولادة صاحب الزمان (عج) إشار فيها إلى أن المهمّة العظيمة لبقية الله عبارة عن ملئ الأرض بالقسط والعدل، كما لفت سماحته إلى ضرورة أن لا تؤدي قضية كورونا إلى تغافلنا عن مؤامرات الأعداء والاستكبار مشيراً إلى أن هذا الفيروس ضيّق الخناق على البعض ويجب أن تتمّ مؤازرتهم، ثمّ أوصى سماحته بأهمية الاهتمام بالعبادة الفردية والتضرع في شهر رمضان المبارك مع غياب جلسات الدعاء العامّة هذا العام.

بسم ‌الله ‌الرّحمن ‌الرّحيم
والحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد وآله الطّاهرين.

أيها الأخوة والأخوات مبارك لكم جميعًا عيد النصف من الشعبان، وللشعب الإيراني قاطبة، وجميع المسلمين وجميع الأحرار في العالم. أشعر بالأسف لعدم إمكانيّة اللقاء بكم عن قرب، ولكوني مجبراً على مخاطبتكم عن بعد، ولكن هذا الأمر يعتبر تجربة أيضًا. سوف أتحدث اليوم مع شعبنا العزيز ببعض الجمل عن صاحب الزّمان (أرواحنا فداه)، وبعض الجمل حول قضيّة السّاعة في البلد. في البداية نتوجّه بالتحيّة إلى بقية الله (أرواحنا فداه):
اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا بَقِيَّةَ اللهِ في أرْضِهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا ميثاقَ اللهِ الَّذي أخَذَهُ وَوَكَّدَهُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وَعْدَ اللهِ الَّذي ضَمِنَهُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا الْعَلَمُ الْمَنْصُوبُ وَالْعِلْمُ الْمَصْبُوبُ وَالْغَوْثُ وَالرَّحْمَةُ الْواسِعَةُ، وَعْدًا غَيْرَ مَكْذوُب.(١) وتتمة هذه الزيارة الشريفة لآل ياسين وجدانية حقًّا: اَلسَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تَقوُمُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تَقْعُدُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تَقْرَأُ وَتُبَيِّنُ..(٢) وإلى آخر الزيارة.

لعلّه أمر نادر الحدوث في مرحلة من تاريخ البشرية بأن يشعر البشر في جميع أنحاء العالم، والمجتمع البشري، بالحاجة إلى مخلّص بهذا القدر الذي يشعرون به اليوم، -إن كان على مستوى النخب الذين يشعرون بهذه الحاجة بكل إدراك، أو بالنسبةللكثيرمن الناس الذين يشعرون بهذه الحاجة في اللا وعي- الجميع يشعرون بالحاجة إلى منقذ، بالحاجة إلى مهديّ، بالحاجة إلى يد القدرة الإلهية، بالحاجة إلى إمامة المعصوم، بالحاجة إلى العصمة، وبالحاجة إلى الهداية الإلهية. قلّما يجد الإنسان مرحلة في التاريخ حيث كل هذا الشعور بالحاجة إلى هذه الحقيقة السامية.
اليوم وبعد أن جرّبت البشرية مختلف المدارس الفكرية والمناهل(٣) المتنوعة من الشيوعية إلى الديموقراطية الغربية، وإلى الليبرالية الديموقراطية الرائجة في العالم، ومع كل ادعاءاتهم هذه، والبشر اليوم وبعد هذه التجارب فإنهم لا يشعرون بالراحة والاستقرار. ومع كل هذا التقدم العلمي المدهش الذي غيّر شكل الحياة بشكل كامل في العالم، ما زال البشر لا يشعرون بالسعادة. فالبشرية تعاني من الفقر، تعاني من المرض، تعاني من الفحشاء والمعصية، تعاني من غياب العدالة، تعاني من عدم المساواة، تعاني من فجوة طبقية عميقة جدًّا. البشر يعانون من سوء استخدام القوى للعلم، فالقوى العالمية تسيء استخدام العلم، ويسيؤون استخدام الاكتشافات الطبيعية، يسيؤون استخدام القدرات المستخرجة من الطبيعة، البشر يواجهون هذه الأمور. وهذه الأمور جعلت الناس في أنحاء العالم يشعرون بالتعب، يشعرون بالحاجة إلى يدٍ مخلّصة.
الناس، ومليارات البشر في العالم يعانون، قد ينعم البعض بالراحة، ولكن هؤلاء أيضًا لا يشعرون بالاستقرار أيضاً، فالبشرية تعاني من القلق، والاضطراب، وهذا التطور والتغيير المتنوع لم يستطع أن يمنح السعادة للبشر. طبعًا الحكمة الإنسانية نعمة كبيرة، والتجربة نعمة كبيرة، وهذه من نعم الله، ويمكنها أن تحلّ الكثير من مشاكل الحياة، ولكن بعض العقد لا تحل بهذه الأمور. فقضية العدالة على سبيل المثال، قضية العدالة لا يمكن حلها بواسطة العلم المتطوّر والتكنولوجيا المتقدمة، ولا تُفكّ عقدتها. فالظلم في العالم اليوم يتغذى من العلم، أي إن العلم المتطوّر أصبح في خدمة الظلم، وفي خدمة شن الحروب، وفي خدمة الاستيلاء على أراضي الآخرين، في خدمة الهيمنة على الشعوب، لذلك فإن العلم لن يستطيع حل هذه العقد، وباتت هناك حاجة إلى قوة معنوية، قوة إلهية، إلى اليد القوية للإمام المعصوم، وهو الذي يستطيع القيام بهذه الأمور، ولذلك فإن المهمّة العظيمة لبقية الله (أرواحنا فداه) هي «يملأ الله به الأرض قسطًا وعدلًا»(٤)، فالمهمة العظيمة لذلك العظيم هي القسط والعدل. ولقد أشير إلى هذا المعنى في الكثير من الروايات والأدعية والزيارات؛ معنى إحلال القسط والعدل، وهذا هو الأمر الذي لا يمكن تحقيقه سوى بالقدرة الإلهية على يد بقية الله الأعظم، وهذا العدل المرتقب سوف يأتي من جانبه، وهذا العدل ليس محصورًا في شيء خاص، بل هو في جميع شؤون الحياة. العدالة في القوة، والعدالة في الثروة، والعدالة في الصحة والسلامة، والعدالة في الكرامة الإنسانية، وفي المنزلة الاجتماعية، وفي جميع جوانب الحياة، والعدالة في الأمور المعنويّة وإمكانية التطور، وهذه الأمور من المفترض أن تحصل في العالم بواسطة بقية الله في عالم الوجود (أرواحنا فداه) وإن شاء الله سوف يحدث ذلك بلطف من الله. 
أفراد البشر سواء من هم من النخب ويستطيعون تشخيص الأحداث، أو من عوام الناس الذين قد يكونون منهمكين بالحياة وفي حال من الغفلة، على مستوى العالم وفي مختلف الدول، جميعهم يشعرون بهذه الحاجة، لكن البعض مدرك والبعض الآخر غير مدرك، وطبعًا هذا الوعد أعطي في كل الأديان. في كل الأديان أعطي وعد بالفرج وبحركة إلهية عظيمة في آخر التاريخ، وطبعًا هذا ليس آخر التاريخ؛ فالحياة الحقيقية للبشر سوف تبدأ من زمن صاحب الزّمان، ولكن المقصود في نهاية هذه الحياة التي نعيشها على هذا النحو. 
حسنًا، فهذه حاجة، ولكن لكي تصبح هذه الحاجة مفيدة وموجّهة فقد طُلب منا في الإسلام أن نقوم بالانتظار. الانتظار يتخطّى الحاجة والشعور بالحاجة. قالوا لنا انتظروا، الانتظار يعني الأمل، الانتظار يعني الاعتقاد بوجود مستقبل قاطع، ليس فقط من باب الحاجة، فالانتظار بنّاء، ولذك فإن لانتظار الفرج مكانة مهمة في رواياتنا وفي معارفنا، وسوف أعرض شرحًا لاحقًا حول انتظار الفرج. وينقل ابن بابويه - علي بن بابويه - في الانتظار الشريف للحجّة (أرواحنا فداه) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج»(٥)، هذا الأمل. وفي رواية عن موسى بن جعفر (عليه السلام): «أفضل العبادة بعد المعرفة انتظار الفرج»(٦). المعرفة تعني التوحيد ومعرفة الحقائق الإلهية، ومن بعدها يأتي انتظار الفرج. عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «انتظروا الفرج ولا تيأسوا من رَوح الله»(٧)، أي انتظروا الفرج ولا تيأسوا من الرَّوح والرحمة والفرج الإلهي. إذاً، يتخلّل انتظارالفرج الأمل والحركة والإقدام، وطبعًا عندما قيل انتظار الفرج فهو أمرٌ مسلّم بأنه انتظار فرج صاحب العصر والزّمان، وهذا مصداق لانتظارالفرج، حيث يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج». يجب أن لا ييأس الإنسان في مواجهة المشاكل المتنوعة التي يواجهها في حياته، بل يجب أن يتحلّى بانتظار الفرج، وأن يعلم بحلول الفرج لاحقاً. انتظارالفرج بحد ذاته نوع من الفرج، وهذه رواية عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): «أوَلست تعلم أن انتظار الفرج من الفرج»(٨)، فانتظار الفرج هو فرج للإنسان في حدّ ذاته، وهو الذي ينجّي الإنسان من حالة اليأس ومن حالة العجز التي تجبر الإنسان على القيام بأفعال عجيبة وغربية. حسنًا، وهذا يعني أن النبي والأئمة عندما قالوا هذا فيعني أن الأمة المحمدية لا تصاب باليأس في أي حادثة من حوادث الحياة، ودائمًا وفي كل الأحوال لديها انتظار الفرج. طبعًا انتظار الفرج ليس فقط الجلوس ووضع الكف على الكف والترقّب، انتظار الفرج يعني الجهوزية، يعني الإقدام والمبادرة، يعني أن يشعر الإنسان بأن هناك عاقبة يستطيع الحصول عليها ويجب عليه السعي للوصول إلى تلك العاقبة. فنحن الذين ننتظر الفرج، ننتظر فرج بقية الله (أرواحنا فداه)، يجب علينا أن نسعى في هذا الطريق، أن نسعى في طريق بناء مجتمع مهدوي> يجب أن نقترب بأنفسنا قدر وسعنا واستطاعتنا من المجتمع المهدوي، فالمجتمع المهدوي هو مجتمع القسط، مجتمع المعنوية، مجتمع المعرفة، مجتمع الأخوّة، مجتمع العلم، ومجتمع العزّة.

وهناك نقطة في موضوع انتظار الفرج وهي أن انتظار الفرج ليس في نفاد الصبر وتحديد المدة، أي أن يحدد الإنسان زمانًا وتاريخًا فلانيًّا على سبيل المثال بأنه يجب أن تنتهي هذه الحادثة، أو أن تنتهي هذه المحنة، أو أن يظهر الإمام، إن نفد صبر الإنسان، وأنْ يستعجل، فهذا ليس انتظار الفرج، ليس هذا. انتظار الفرج يعني تحضير النفس. نفاد الصبر والاستعجال هما من الأمور الممنوعة. هناك رواية تقول: «إن الله لا يعجل لعجلة العباد»(٩)؛ إذا كنت تستعجل وتندفع فهذا لا يعني أن الله يجب أن يتخذ القرار ويستعجل بناءً على عجلتك؛ كلا، فكل أمر له موعد، له وقت محدّد، له حكمة، وعلى أساس تلك الحكمة يتم إنجازه. 
وهذه النقطة أيضًا التي ذكرناها عن انتظار الفرج، وهي أن المراد هو الفرج النهائي وهو ظهور الإمام، وأيضًا الفرج بعد الشدة، أي الفرج بعد الحوادث الصعبة والوبائية مثل هذه الحوادث الموجودة اليوم في العالم، والتي ييأس منها الكثيرون، والتي تجبر الكثيرين على الانتحار، ولكن عندما يكون انتظار الفرج موجودًا، فكلّا، لأن الإنسان يعلم بأن هذه الحادثة سوف تنتهي بلا شك. 

حسنًا، وهناك نقطة أخرى أيضًا  وهي أن هذه الراحة النفسية الموجودة منشأُها انتظار الفرج، وأن هذه الطمأنينة النفسية لدى الإنسان التي لا يتخلّلها اضطراب بين نفس الإنسان وقلبه يمكن زيادتها بواسطة الدعاء، بواسطة الاستغاثة، بواسطة المناجاة مع الله؛ «ألا بذكر الله تطمئن القلوب»(١٠). وهذه الأدعية الواردة، ونحن الآن في شهر شعبان وبعدها في شهر رمضان، والأدعية الوفيرة والمناجاة المتنوعة والتحدث إلى الله بدون واسطة، هذه [ لها قيمة ] كبيرة. أو التوسل  بأئمة الهدى (عليهم السلام) الذين هم أقرب الأشخاص في عالم الوجود من الخالق المتعال، هذه الأمور تهب الإنسان الراحة وإمكانية الطمأنينة. ذكر الله عزّوجل يمنح الإنسان الانشراح والبهجة ويجلب الرحمة الإلهية، وطبعًا الملايين من الأكف المرفوعة بالدعاء في الليلة الماضية قطعًا سيكون لها آثارٌ وبركات. ليلة أمس وُفّقَ الملايين من الأشخاص لجعل قلوبهم تصتبغ بالصّبغة الإلهيّة، وتتّصل بالله جلّ وعلا، وأن يرفعوا أيديهم بالدعاء وأن يكلموا الله(١١)، ولا شك بأن هذا الأمر سوف يظهر آثاره الحسنة عليهم وعلى كل المجتمع أيضًا، وسيكون له بركات كثيرة. وهذه هي بعض الجمل التي أردت قولها حول مسألة الظهور والفرج وقيام صاحب العصر والزّمان. طبعًا الحديث يطول في هذا المجال، ولكنني أكتفي بهذا المقدار.

وأما فيما يخصّ قضيّة السّاعة في البلد وهي مسألة [فيروس] كورونا، طبعًا هذا ابتلاء عام، امتحان، امتحان للعالم، للحكومات وللشعوب أيضًا، فالحكومات أيضًا تُمتحن في هذه المسألة، والشعوب أيضًا تُمتحن في هذه المسألة. إنه امتحان عجيب. طبعًا تم الحديث بكثرة وطرحت المواضيع بشكل كافٍ حول الإحصاءات والإجراءات الجيدة التي اتخذت، والتوصيات التي يوصي بها المسؤولون، والإذاعة والتلفاز، عملوا بشكل جيد جدًّا في هذا المجال إنصافًا. وليس لدي قول حول هذه الأمور، ولكنني أروم الحديث حول بعض النقاط.
إحدى النقاط هي أن شعب إيران قد تألّق في هذا الامتحان، تألّق بشكل جيد، شعب إيران تألّق جيدًا في امتحان الكورونا؛ في هذا المرض العام، في هذا الوباء الحديث يجب القول هكذا. أولًا أوج هذا الفخر الوطني يرجع إلى المجموعة الصحية في البلد، وأنا قلتها عدة مرات، والآن أيضًا يجب أن أكرر بأن أوج هذا الفخر يرجع إلى عظمة عملهم وقيمة تضحيتهم؛ هؤلاء الأطباء، والممرضين، والمختصين بالعلوم المخبرية، والأشعة، وعمال الرعاية الصحية، والخدمات، وقسم الأبحاث، والمديريات في وزارة الصحة وتوابعها، المديريات العاملة في هذا المجال، هؤلاء الذين وضعوا حياتهم وسلامتهم في خدمة الناس، وهذا أمر في غاية الأهمية والعظمة. فقد تحمّلوا ألم البعد عن الأسرة، حتى في النوروز والعطلة الكثير منهم لم يذهبوا إلى أسرهم، وعانوا من قلة النوم، والضغط العصبي الناجم عن التعامل مع المرضى المتدهورين، لقد تحمّلوا كلّ ذلك برحابة صدر، وتركوا بصمة جميلة عن الجهاز والمجموعة الصحية للدولة في أذهان هذا الشعب. هذه ذكرى جميلة في هذه المرحلة من مجتمع الأطباء والممرضين في البلد، وستبقى ذكرى جيدة عنهم.
إلى جانب هؤلاء كان المتطوعين، [أي] الأشخاص الذين لم يكونوا من ضمن الجهازالصحي، ولكنهم أتوا إلى الساحة بشكل تطوعي. طلاب الحوزة الجهاديّين، طلاب الجامعات الجهاديّين، آلاف عناصر التعبئة المكافحين، الآلاف من عناصر التعبئة والأفراد من الناس قدّموا الخدمات القيّمة التي تفوق الوصف في الواقع، والتي تجعل الإنسان سعيدًا من جهة، وممتنّاً وشاكرًا من جهة أخرى. 
وإلى جانب هؤلاء كانت القوى المسلحة، وللإنصاف فإن القوى المسلحة سخّرت كل قدراتها البنّاءة وابتكاراتها حتى على صعيد العلم والاكتشافات والصناعات وإنتاج الإمكانيات الصحية والعلاجية من المستشفيات والمستوصفات إلى سائر الوسائل التي كانت في حوزة القوى المسلحة، فقدموا أفضل أقسامهم في خدمة هذا العمل، ووضعوا قدراتهم البنّاءة والمبتكرة في خدمة ساحة العلم والعمل. ثم تم اكتشاف قدرات جديدة، نتجت قدرات جديدة، وتعرفنا الى قدرات كثيرة كانت داخل القوى المسلحة وخارجها ولم نكن نعلم بها، أولئك الشباب الذين كانوا يأتون إلى محطات التلفاز ويشرحون الأعمال التي قاموا بها، والأشياء التي صنعوها، في الغالب لم نكن نعرفهم، وهذه القدرات المكتشفة هي جديدة. 
وللإنصاف أيضًا فإن الناس ومشاركة الناس كانت مشاركات جميلة جدًّا وخلقت مشاهد شيقة ومذهلة، وموجودة في كل مكان. أريد أن أسمّي بعض الموارد، وهذا لا يعني بأن أخص هذه الموارد، لا، فهذه وردت إليّ من خلال التقارير وأنا أذكرها. مثلًا في سبزوار بدأ مشروع "كل حارة أضحية"، حيث يجتمع أهل الحارة ويضحّون بخروف ويوزّعون اللحم بين المحتاجين في تلك الحارة، وهذا الأمر الذي يقومون به ضروري جدًّا ومثير للاهتمام،إذ أنهم يطعمون المحتاجين. أو في يزد، قامت والدة أحد الشهداء بالتعاون مع مجموعة من النساء بتحويل بيوتهن إلى مراكز خياطة، وفي هذه المراكز ينتجن الكمامات ويوزعنها على الناس مجانًا. أو في نهاوند هناك مجموعة من النساء اللاتي كن يخبزن الخبز في أيام الدفاع المقدس ويرسلنه إلى الجبهة، الآن أيضًا عُدنَ إلى نشاطهن ويعملن في كبح هذا المرض. في خوزستان، شكّل الطلبة مقرّات لهم، وأيضًا يقومون بتعقيم منازل الناس. في شيراز، يقوم الأمناء المحليّون بالتحدث إلى أصحاب الأملاك - أصحاب البيوت والمحلات - ويطلبون منهم عدم أخذ الأجرة أو التخفيض منها، أو إعطاء المهل من أجل مساعدة أصحاب المصالح. في تبريز، رئيس الحوزة العلمية نزل شخصيًّا الى الساحة ويقوم بالعمل. في إحدى المدن لم يقم أحد المرشحين الحزب اللهيّين الذي لم ينجح بالانتخابات بإقفال مقرّه، بل احتفظ به وقام بتنظيم النشطاء في مجال الحركة الجهادية ومحاربة الكورونا. طبعًا هذا عدد محدود من التقارير التي كانت لدي بشكل مستعجل، ولكن يوجد المئات من الموارد المشابهة لها، بل الآلاف من الموارد المشابهة المتوفّرة بأشكال متنوعة في أنحاء البلاد، والتي أشرت إلى بعض منها خلال تصريحاتي السابقة(١٢). من المهم أن نلتفت إلى أن هذه علامات على عمق الثقافة الإسلامية، وعلى رسوخ الثقافة الإسلامية في قلوب شعبنا. وبخلاف ما أراد البعض ادعاءه خاصة في العقدين الأخيرين للأسف، حيث سعى البعض إلى احتقار الثقافة الإيرانية - أن يحتقروا الثقافة الإسلامية الإيرانية - لكي يلفتوا نظر الناس إلى الثقافة الغربية ونمط العيش الغربي، وبخلاف ما أرادوه، ولحسن الحظ فإن هذا الشعور بالفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية وسلسلة القيم الإسلامية هو شعور قوي وراسخ لدى الناس.

طبعًا في المقابل أظهرت الثقافة الغربية منتجها، ولقد أضاء إعلامنا على بعض ما حدث في الغرب والدول الغربية، في أوروبا وأمريكا، ولكن بعض الأمور لا تنقل على التلفاز، وهي معلومات تصل إلينا ونعرفها. لقد أظهر الغرب نتاج تربيته، أن تقوم إحدى الدول بمصادرة الكمامات والقفازات المتعلقة بدولة أخرى أثناء نقلها وتحوّلها إلى نفسها - وهذا ما حدث في بعض الدول الأوروبية والأمريكية - أو أن يقوم الناس كل يوم وفي مدة قصيرة، خلال ساعة أو ساعتين بإفراغ المتاجر، وأن يحرصوا على الإكثار من التبضّع والشراء من أجل ملء برادات وثلاجات بيوتهم بحيثتصبح المحلات فارغة، حيث أظهروا الرفوف الفارغة للعالم في القنوات، وقنواتنا التلفازيّة نقلتها إلينا، أو الأشخاص الذين تقاتلوا من أجل عدد من مناديل المراحيض الورقيّة، أو الأشخاص الذين اصطفوا من أجل شراء الأسلحة، لأنهم يشعرون بالخطر في هذه الأيام، ولذلك يجب أن يكون لديهم أسلحة، أو أن يضعوا الأولويات للمرضى، فلا يعالجوا المريض المسن، فيقولوا إن المرضى العجزة المنهكين الذين يعانون من مشاكل أساسية، هؤلاء لا ينبغي أن نشقى من أجلهم في ظل هذه المحدوديات ونعالجهم. هذه الأمور وقعت هناك، البعض انتحر خوفًا من الكورونا، انتحر خوفًا من الموت، هذه التصرفات بدرت عن بعض الشعوب الغربية. وطبعًا هذه نتيجة طبيعية ومنطقية للفلسفة الحاكمة على الحضارة الغربية: فلسفة الفردية، فلسفة المادية، الفلسفات التي غالبها من الإلحاد؛ والتي تكون بحيث حتى لو كان هناك عقيدة بالله أيضًا؛فإنّها تلك العقيدة غير توحيدية، وليست صحيحة وعميقة ولا معرفية. وهذه أيضًا إحدى المسائل.

وأنا هنا أشير أيضًا: قال سيناتورٌ غربيّ في هذه الأيام الماضية إن الغرب المتوحش قد حييَ؛ هذا كلامهم هم. فنحن عندما نقول إنه يوجد في الغرب روحية وحشية فهذا لا يتنافى مع ظاهره المنمّق والمتعطّر والمرتدي لربطة العنق، والبعض يستغرب وينكر ذلك، ولكنهم الآن هم يقولون ذلك، يقولون هذا مؤشّرٌ على ظهور الغرب الوحشي.

البعد الآخر لهذه المسألة هو السلوك العام لشعبنا العزيز المتمثل في العمل بالتوجيهات، فالإنسان يرى حقيقة أن الناس يعملون بما يتبلغونه بشكل حاسم من الهيئة الوطنية لمحاربة الكورونا.
نعم، في بعض الأحيان قد يقومون بتبيلغ بعض الأشياء بطريقة مترددة، والناس لا يستنتجون بأن عليهم القيام بذلك الشيء، ولكن عندما يكون الأمر حاسمًا ويشعر الناس بأن عليهم القيام به، فإنهم يتماشون مع تعاميم المسؤولين، وأحد نماذج هذا الأمر كان يوم الثالث عشر من شهر فروردين لهذا العام [عام ١٣٩٩ الهجري الشمسي]، لا أحد كان يتصور بأن الناس سوف يعطّلون "سيزده به در" [عيد الطبيعة ويوم الخروج إلى الطبيعة] ولكنهم عطّلوه، الناس لم يخرجوا في "سيزده به در". هذا دليل على أن الناس قد تقبّلوا الانتظام العام في مواجهة هذه المسألة (الكورونا) بالمعنى الحقيقي للكلمة، وطبعًا هذا يجب أن يستمر، يجب أن يكون هناك انتظام عام، ويجب الأخذ والعمل بجدية فيما يخص قرارات الهيئة الوطنية [لمحاربة كورونا] والتي هي المسؤول الأول في هذا المجال.

والبعد الآخر في هذه القضية هو أن الكورونا طبعًا مشكلة كبيرة للبشرية، هي بلاء كبير وخطير أصاب البشرية، ولكن هذه المشكلة تعد شيئًا صغيرًا بالمقارنة مع العديد من المشاكل، فنحن قد شاهدنا العديد من المشاكل في العالم وفي بلدنا، وكانت هناك مشاكل لم تقل حجمًا عن هذه المشكلة، بل كانت أكبر منها. ومن جملتها، تحديدًا في مثل هذه الأيام التي دخلت الكورونا إلى منطقتنا، قبل ٣٢ سنة، في مثل هذه الأيام، أسقطت طائرات صدّام المواد الكيماوية على أجزاء من شعبنا وشعبه، وتم قتل الآلاف بواسطة غاز الخردل وما شابه. هذا الحدث قد حصل، فيما كانت جميع القوى العالمية في ذلك اليوم تدافع عن صدّام وكانوا يساعدونه. بعض هذه الدول المتحضرة والراقية – حسب ادّعائهم- أعطوه بعض هذه المواد الكيماوية، وضعوا الأسلحة الكيماوية تحت تصرفه، إلى اليوم لم يتم محاسبة أحد منهم، ولم يبرّر أحدهم لماذا ارتكب تلك الجرائم. وذلك المجرم - صدّام - فعل ذلك بشعبنا، وفعل ذلك بشعبه أيضًا في حلبشة، لأنه شعر بأنه من الممكن أن يقوم الناس في حلبشة بالتعاون مع المجاهدين في الجمهورية الإسلامية، فقام بقتل الناس بالشوارع والأزقة، طبعًا هذه الأمور موجودة وقد حصلت في الحروب الكبيرة في العالم، فقد قتل الملايين من الناس في الحربين العالميتين. والآن في قضية الكورونا يقال مثلًا إنه قد أصيب في العالم لحد الآن مليوناً ونيّف (١٣). 
في الحرب العالمية الأولى والثانية التي حصلت بفارق زمني يقارب العشرين سنة، في هاتين الحربين قتل الملايين، لا أذكر بدقة ولكنني أعلم أن عدد الذين قتلوا لا يقل عن العشرة ملايين. وفي حرب فييتنام أيضًا حيث هجمت أمريكا على فييتنام، وفي مختلف الحروب، وفي الحرب الأخيرة على العراق قتل العديد، استشهدوا على يد أمريكا، وقد كانت هناك أحداثٌ عديدة من هذا القبيل. فعندما نتحدث عن هذه القضية (الكورونا) ينبغي علينا أن لا نغفل عن سائر الأحداث المهمة التي حصلت في العالم. ويجب أن نعرف بأن الملايين من البشر حاليًّا يرزحون تحت وطأة الظلم واستبداد وعداوة الأعداء المتجبرين، الناس في اليمن والناس في فلسطين وفي الكثير من نقاط العالم يقبعون تحت الضغط. فلذلك يجب أن لا تغفلنا مسألة الكورونا عن مؤامرات الأعداء، أن لا تغفلنا عن مؤامرة الاستكبار، لأن عداء الاستكبار هو مع أصل نظام الجمهورية الإسلامية. أن يعتقد البعض بأن علينا عدم معاداتهم حتى لا يعادونا فهذا ليس صحيحًا، الأصل في هو نظام الجمهورية الإسلامية، الأصل هو حكم الشعب الإسلامي، وهذا ليس مقبولًا في نظرهم، ليس قابلًا للفهم ولا التحمل، وهذه أيضًا نقطة.

نحن نقول إن المسؤولين في الهيئة الوطنية يعملون، يعملون بشكل جاد، والتقارير في هذا الشأن تقدّم إلينا، ونطّلع عليها. ولقد تم إيجاد الحلول لدعم بعض الطبقات الضعيفة، وأنا أوصي وأؤكد على أن يتم تنفيذ هذه الحلول المعدة من قبل المسؤولين لدعم بعض الطبقات الضعيفة بمنتهى سرعة وبشكل مكثّف، وبنحو جيد إن شاء الله، ولكن إلى جانب ذلك هناك مسؤولية على عاتق الناس أيضًا. فيالحقيقة يوجد هناك فئة في ظل هذه الأوضاع يقضون حياتهم بصعوبة ولا يستطيعون إدارة حياتهم بشكل طبيعي واعتيادي، ويجب على الناس المقتدرين أن يبدأوا بنشاط واسع في هذا المجال. نحن نقرأ في الدعاء الشريف «شَجَرَةُ النُّبُوَّة» : «وارزقني مواساة من قتّرت عليه من رزقك بما وسّعت عليّ من فضلك... وأحييتني تحت ظلك»(١٤)، وهذا من الأعمال التي ينبغي القيام بها، وأما بخصوص حلول شهر رمضان، فشهر رمضان هو شهر الإنفاق (في سبيل الله)، هو شهر الإيثار، شهر مساعدة المحتاجين. كم سيكون مستحسناً انطلاق مناورة في البلد تعمل على المواساة والتعاطف والمساعدة الإيمانية للمحتاجين والفقراء، وإذا حصل ذلك فإنه سيترك ذكرى جميلة في الأذهان هذه السنة. نحن لكي نثبت إخلاصنا لصاحب الزمان ينبغي أن نسطّر مشاهد ومظاهر مهدوية في مجتمعنا. حيث قلنا إن المجتمع المهدوي هو مجتمع القسط والعدل، ومجتمع العزّة، ومجتمع العلم ومجتمع المواساة. يجب علينا أن نحقق ذلك في حياتنا، حسب إمكانياتنا، وهذا سيقربنا منه.

النقطة الأخيرة التي أروم التحدّث عنها هي، أنه في ظل غياب الجلسات العامة لشهر رمضان - وهذه الجلسات العامة كانت جلسات الدعاء وجلسات الخطاب، وجلسات التوسل، وكانت غانمة كثيرًا، وهذه السنة نحن محرومون منها - ففي ظل غياب هذه الجلسات يجب أن لا نغفل عن جلسات العبادة والتضرع والخشوع الفردية. نحن نستطيع أن نخلق هذا المعنى وهذا التوجه وهذا الخشوع والخضوع في غرفتنا وفي خلوتنا وفي أسرتنا وبين أفراد أسرتنا وأبنائنا، وطبعًا هناك بعض الأمور التي تبث على شاشات التلفاز أيضا ويمكن الاستفادة منها، ويجب القيام بهذا العمل.
وأوصي المسؤولين أيضًا والنشطاء الفاعلين في مجال العلم والتكنولوجيا، بأن لا ينسوا أمرين: الأول مسألة الطفرة في الإنتاج، التي هي أمر ضروري لبلدنا، ويجب علينا أن نتابع مسألة الإنتاج بأي ثمن كان، وأن نصل إلى الطفرة في الإنتاج بكل ما للكلمة من معنى. والمسألة الأخرى هي مسألة التصنيع والعمل المخبري وإنتاج المستلزمات العديدة التي يعمل عليها الشباب  في أقسام المختبرات، ويتابعونها إن شاء الله.
أدعو الله أن يمن بالسعادة على شعب إيران، وأن يسعد روح الإمام المطهر العظيم، وأن يحشر أرواح الشهداء الأعزاء الطيبة مع النّبي (ص)، وأن يحقق كل الآمال الكبيرة للشعب الإيراني إن شاء الله وأن يقرّب فرج ولي العصر (أروحنا فداه) إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

١- بحار الأنوار، ج٥٣، ص ١٧٦
٢- بحار الأنوار، ج٥٣، ص١٧١
٣- المذاهب، الفرق
٤- بحار الأنوار، ج٣٦، ص٣١٦
٥- بحار الأنوار، ج٥٠، ص ٣١٨
٦- تحف العقول، ص٤٠٣
٧- تحف العقول، ص ١٠٦
٨- غيبة الطوسي، ص٤٥٩
٩- الكافي، ج٢، ص٢٤٥
١٠- سورة الرّعد، شطر من الآية ٢٨
١١- إشارة سماحته إلى الإعلان العام للدعاء الجماعي في وقت موحّد في النّصف من شعبان
١٢- كلمته في ذكرى المبعث النبوي الشريف (٢٢/٣/٢٠٢٠)
١٣- كان قد تمّ استخدام تعبير "قتلى" في الكلمة المباشرة حيث صحّح قائد الثورة الإسلامية تعبيره كما يلي: " ما قلته بأنّ مليون شخص قُتلوا، كان خطأ، بل أصيب أكثر من مليون شخص [بفايروس كورونا] وعدد الذين فارقت روحهم الحياة أقل بكثير على مستوى العالم. أصيب مليون شخص حتّى الآن وبالطّبع رحل عدد عن هذه الدنيا وعددهم أقلّ من هذا. لقد قلت عن طريق الخطأ أنّ مليون شخص توفّوا أو قتلوا." لذلك تمّ استبدال المصطلح في نصّ الكلمة. 
١٤) مصباح المتهجّد، ج٢، ص٨٢٩

المصدر: arabic.khamenei.ir