کل الأخبار

باحث وأستاذ حوزوي إیراني: المدارس القيمية كالمدارس المنتسبة الى الديانات الالهية تعطي للانسان كرامة ذاتية

2020-05-10

نشاهد أن المدارس القيمية كالمدارس المنتسبة الى الديانات الالهية تعطي للانسان كرامة ذاتية كما قال الله سبحانه وتعالى في القرآن: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" وكذلك قال "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" يعني أنّ الانسان یُمنح الکرامة الذاتیة وبها یصل الی مقام الخلافة الالهية العامة.

وألقى الباحث الديني الايراني والأستاذ في الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة، "سماحة الشيخ صادق اخوان"  محاضرة في ندوة "كورونا؛ القرية الكونية والقرآنية الآمنة" التي أقيم يوم الجمعة الماضي ٨ إبریل الجاري عبر الفضاء الافتراضي تحت عنوان "أزمة الهوية العالمية في ظل جائحة كورونا وسقوط نظريات المدارس الوضعية" .

إلیکم نص المحاضرة:

 

"حقيقة نحن لما نشاهد المدارس الوضعية خصوصاً في القرون المتأخرة نشاهد أن تعاملها مع حقيقة الانسان وهوية الانسان إنما هو تعامل آلی يعني تتعامل معها كأدوات الانتاج وتتعامل معها باعتبارها أدوات تنفع الفائض الاقتصادي أكثر مما تتعامل مع هويتها على أساس أن لها قيمة ذاتية، وهذا لم یکن الا تحقیراً فاضحاً لهویة الانسان.

ولكن المدارس القيمية كالمدارس المنتسبة الى الديانات الالهية نشاهد أنها تعطي للانسان كرامة ذاتية كما قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" وكذلك قال "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" يعني أنّ الانسان یُمنح الکرامة الذاتیة وبها یصل الی مقام الخلافة الالهية العامة.

اذن اذا قسنا هاتین الرؤیتین فنحن نشاهد نقائص جلیّة بارزة فی  المدارس الوضعیة التی قامت علی اُسس نفعية متبنیة اصالة المادة.

 هذه و ان کانت ذات جذور تاریخیة ولکنها قد اجتاحت الثقافة الغربیة من بعد الثورة الثقافیة بحیث خیمّت المدرسة التجريبية المحضة کمدرسة فرانسیس بیکن ودیفید هیوم و جون لوک بل حتی غیر المتمحضة فی المادّیة کمدرسة دیکارت و غیره من الفلاسفة الغربیین فی القرون الاربعة المصرمة علی جمیع مساحات الثقافة والتعلیم و المجتمع.

 حتى یصل الدور الی  "هيجل" فیعمل انقلابا فی اسلوب التفکیر و طرقه بعرض منطق جدید متفاوت عن المنطق الصوری المتجانس مع البتّیة والیقین و الدلیل والبرهان المتحکم فی حقول العلوم البشریة مذ عشرات القرون.

فالمنطق الجدلی الذی عرضه هیجل قد شیّد ودعم المدرسة المادّیة بفصلها الکامل عن المعنویة و الروحانیّة حتی آل الأمر الی تاسیس المدرسة المارکسیة و الاشتراکیة بواسطة تلامیذه.

  وأما مادّیة الاخلاق فالمشهود الیوم أن التفکیر الحاكم علی مجالات الاخلاق الاجتماعی والسیاسی فی العلاقات العامة والدولیة انما متقوّم علی دعم سلطوية قهریة للمجتمع الغربی بثقافاته و وطقوسه و انماط حیاته على جمیع المجتمعات  والثقافات بصورة ماکیافیلية يعني حکومة المدرسة التي تتركز على اصالة النفع الذاتي و انه فی جمیع مجالات الحیوة الغایة تُبَرّر الوسیلة.

ولكن هذه الجائحة التي تشهدها العالم منذ ثلاثة أشهر أوجدت زلزالاً اممیاً فی شتی مجالات الحیوة من الاسس النظریة للحضارة المدنیة الی الاسالیب الاجتماعیة فی ادارة المجتمع حتی الوصول الی نمط حیوة المجتمع الغربی بل العالمی.

ومهما حاول بعض زعماء الاستكبار العالمي التستُّر علی هذا التحوّل والانقلاب الذی ینبئ عن دق النواقیس للإعان عن انهیار القیم و المعاییر الغربیة وعدم جدارتها لکی تکون هی الممتازة والأمثل و الأسوة فی المسرح العالمی.

فالفشل الذریع للمدارس و النُخَب الاجتماعیة الغربیة فی مواجهة جائحة کرونا، مع ما کانت تذیع من ادعاءات و مبالغات فی ساحة نمط الحیوة وحلّ الأزمات المادّیة والروحیّة بصورة تکون هی وحدها الجدیرة بالتحکّم و التدخّل فی المدارس والجامعات الأوروبية والأمريكية بل العالمیة.

فالعالم الیوم یشاهد في ظل هذا الوباء،  أنَّ جمیع هؤلاء يعترفون بحقارةٍ و ذلةٍ وخسّةٍ أنّهم عاجزون عن عرض وَصفة اجتماعیة و اخلاقیة وبرنامج متکامل لمعایشة ومواجهة هذا الوباء ، ولم یکن ذلک الا لجهلهم بحقيقة الهوية البشریة و الانسانیة.

نحن لما نتحدث عن القرية الكونية التي عوضناها بالقریة الآمنة، انما كان الحديث عن العنجرة والسيطرة لفئة خاصة تتوهم بأنها هي مفضلة وممتازة كما يعتقد بعض اليهود بأنهم هم الشعب المختار وما سواهم لم يكونوا الا الخول والعبيد لهم.

وكذلك نحن اليوم شهدنا أن الامبريالية العالمية في ظل الفلسفة البرجماتية أو النيولیبرالية التي أنقذت في بعض الفترات الرأسمالية الغربية لكي تتحكم وتكون مدعية في مطلع القرن الحادي والعشرين بأنها جدیرة بالتحكّم على العالم كأنها القرية الكونية المصغرة.

 فعلی ضوء ذلك لابد على جميع الحضارات والثقافات ان تنتهي بتمامها وتذوب بأكملها وأن الشعوب جمیعها تنفصل انفصالاً کاملاً وتتبرأ برائةً تامةً عن جميع ما كانت تمتلكه من الثقافات والحضارات لكي تذوب في ما يسمى بالحضارة الغربية.

ولكن اليوم نحن نشاهد أن هذه العنجرة بظهور هذا الوباء وعجز وفشل الثقافة الغربیة فی مقابلتها لا طبیا فحسب بل حتّی اجتماعیاً واخلاقیاً ، بالاخص بعد شیوعها وانتشارها في المجتمع الغربي بصورة واسعة و رهيباً.

وهذا الوباء قبل أن يصل الى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، قد اجتاح الكثير من الدول الاسلامية والشرقية منها الجمهورية الاسلامية الايرانية، ولكن لم نشهد ولا نسمع بعشر ما شهدنا جزءً قلیلاً و زوایة صغیرةً من التوحش الفضیع و الهمجیة عبر الکلیبات ووسائل الاعلام العالمیة عمّا جری فی تلک المجتمعات الغربیة.

ما الفرق بين المجتمع الاسلامی بل الشرقی والمجتمع الذي يدعي بأنه متحضر وصاحب الحضارة  والثقافة ونمط الحیاة المتمیّز الذی يجب أن تذوب فيه جميع الحضارت والثقافات؟

 لماذا تلك الشعوب الهادئة والمنظمة، والسلمية والمسالمة تنقلب فی طرفة عین الى وحوش کأنّها تصول وتجول فی ساحات القتال والنهب؟

نسأل الله تعالى ببركة هذا الشهر الفضيل أن يعَجِّل في زوال هذه الكارثة الانسانیة بأكملها.

انما العصر الذي نستقبله في ما نعبر عنه بعصر بعد كورونا يكون عصر انهيار القیم و المعاییر والمقاییس المفروضة من قبل الغرب علی العالم فی شتّی مجالاته.

 فلایکون انهیار بحت بل انّما یتقارن هذا الانهیار مع ظهور وبزوغ مدارس جديدة و انما تکون تلک المدارس قيميتاً و تحمل معاییر ومقاییس عقلانیة حکیمة رسالیة.

وتلك المدارس التی في ظلها تتجلّی و تظهر و تتسلط القیم  المعنوية والخلقية، المعايير غير النفعية المتمحورة علی نفع الذات.

نحن الیوم نشاهد بوارق ظهور هذه المدارس والرؤی حتى في المجتمع الغربي، حتى في معاهد البحث العلمي التابعة للجامعات الغربية.

 

فهناك اصوات قد اعتلت ورسالات قد بدت تلوح معالمها وسماتها انما هي تأتي بمعايير متفاوتة لتحقيق ما عُبِّر عنه بالقرية الآمنة.. انما الذي يليق بهذا العنوان وسيكون آنذاک انما تطوّر هذه القرية الآمنة الى مرحلة البلد الأمين الذي يتوخاه وینتظره العالمون.      

وذلك البلد الامین الذي کان يحلم به ويتنماه كل انسان صاحب نفسية سامیة نزيهة وبشرت به الکتب السماویّة والدیانات السماویة.

وذلك البلد الذی یتمنّی العيش فیه جميع البشرية الذين فطروا على فطرة الله تعالى محققا طموحات وأحلام الانبياء والأوصياء، والمؤمنين والمصلحين وجميع المستضعفين في التاریخ.

وحتى تظهر تلك الحضارة التي لانجد فیها أي علامة للظلم ولا الطغيان ولا التميز، لا الازرداء والتحقير بل جميع الناس سوية وعقولهم مكتملة يتبعون فطرتهم ورشدهم وهذا وعد من الله تعالى كما جاء في القرآن الكريم "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ".

وكذلك سبحانه وتعالى وعد انتصار المستضعفین من جیمع الجهات "وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ" ومن ابرز القضایا التی نالها سوط الاستضعاف انما هی الثقافة القیمیة الاخلاقیة و خصوصا ما حصل فی القرن المنصرم من ذمار الثقافات وغزوها و غزوالحضارات عبر شتی الوسائل والاسالیب انطلاقا مما یسمّی بالفن من الهوليوود والبوليوود، وما تبثه من مسلسلات و مسرحیات الفضائیات، و ما ینشر عبر الشبکة العنکبوتیة الانترنت.

 وهدف جمیعها تنجیز غسیل ادمغة النُخَب فی العالم حتى تزول المدارس القيمية والفطرية والانسانية لتتهیء هیمنة المدرسة السلطویة الاستعمارية التي تنهب الثروات.

المصدر: وكالة اكنا للانباء