14 / 12 / 2018 م      ۲۳ / ۹ / ۱۳۹۷ هـ . ش
الجمعة
ربيع الثاني / 1440 هـ
٦

کل الأخبار

فلسفة الألوان.. المعاني وأسس الذوق

2018-11-10

فلسفة الألوان، علم واسع الأبعاد يتصل بالأمزجة وعلم النفس الجمعي والثقافة الحية والذوق الإنساني، وهو لا يقتصر على المقتنيات ، بل يمتد إلى المعاني، وأسس الذوق، وخصب التفكير،

 والمشاعر. ان الألوان يهوى ويعشق بناء على التكوين الأول الذي كانت له مؤثراته في ذهنه وذاكرته.. كم هي مشاعره وتأثره بالطبيعة التي من حوله؟ هل يهرب من الألوان المبهرجة إلى الألوان الباهتة أو بالعكس! وربما يعتقد البعض بأن مثل هذه الاهتمامات هي شكلية ولا علاقة لها بحياتنا وهمومنا ومجالات تفكيرنا الذي ينبغي أن ينصّب على ما هو أهم، ونجيب على كل من ينتقد هكذا اهتمامات، انه لو يعلم كم يضّيع الإنسان في مجتمعاتنا من وقته واهتماماته وتفكيره بتوافه الأمور، لأشفق على مجتمعاتنا قاطبة.. ولوجد بأن حياتنا لا يمكنها أن تستقيم من دون أن تزرع جملة من المعاني الجديدة فيها، أو أن تخصب تفكير أجيالها بطاقة كبرى من الجماليات بعيدا عن الفوضى والدمامة والفجاجة والقباحة والبشاعة!

 الألوان تعبير صامت عن كل الانفعالات  

لماذا اللون الازرق؟ علي أية حال، يبقى الأزرق هو سيد الألوان في عموم أوروبا . لقد أشارت جميع استطلاعات الرأي منذ الحرب الأخيرة وبشكل منتظم إلى حد كبير بأن اللون الأزرق هو اللون المفضل لدى أكثر من نصف سكان قارة أوروبا، وبفارق كبير عن الأخضر الذي يشكل اللون المفضل لدى حوالى ٢٠% منهم ، ثم الأحمر ما بين ٨% و١٠ ، ثم أن هذا التفضيل للأزرق في فرنسا، يبدو اقل مما هو في بعض البلدان المجاورة لها حيث تصل نسبة الذين يرون به اللون المفضل إلى حوالى ٦٠% من مجموع السكان.. كما يلاحظ أن اللون الأزرق هو المفضل ايضاً، لكن بنسب أقل، في الولايات المتحدة الأميركية وكندا واستراليا وفي مختلف بلدان العالم الغربي.مع ذلك لم يكن اللون الأزرق يحظى بتقدير كبير لدى الرومانيين الذين كانوا يعتبرونه «لون البرابرة» بينما كانوا يفضلون أكثر الأبيض والأحمر والأسود «إن فلسفة الألوان تبدو أكثر استقرارا معرفيا من خلال جهود بعض العلماء والفنانين الذين استطلعوا الرأي بصددها، ومدى انسجام الإنسان مع اللوحات المعبرة من خلال الألوان عن طبيعة تتكلم، أو إنسان يفكر. إن ما حصلنا عليه من معلومات حول استكناه ألوان تعشقها البشرية، يقود بالضرورة إلى المناداة بتأسيس فلسفة جمالية في ثقافتنا وتفكيرنا.. وأدعو هنا إلى غرس هذه الأفكار منهجيا في كتب التربية والتعليم حتى يتربى الإنسان في مجتمعاتنا على مثل هذه المعاني بدل اضطهاد تفكيره الغض بالتعقيدات وقتل روح الحياة بالكآبة والغلظة والاسوداد، وعليه فان أجيالنا إن كان لها أن تخوض مغامراتها من اجل فلسفة الألوان، فان أجيال أمم أخرى قد غرست عندها مختلف جماليات الألوان، وكان ينبغي على اللون الأزرق أن يخوض مغامرة كبرى ضمن مختلف الاتجاهات كي يتخلص من أثقال البربرية والتوحش، ويحظى بالمرتبة الأولى في سلم الألوان في العالم المعاصر الذي يتميز بالتقدم في مختلف المجالات.. هذا وكان ماسيت الإغريقي قد اتخذ موقفاً سلبياً من هذا اللون الذي كان الجرمانيون يصبغون أجسادهم به قبل خوض المعارك، واعتبر «قيصر» انه يجعل جنود البرابرة كـ«الأشباح» عندما يتلونون به.

بداية المنعطف التاريخي

لكن اللون الأزرق المخفي والمهزوم، بل والملعون والشرير أحيانا في الماضي الصعب أصبح اليوم يتربع على عرش الألوان مع ريشة الفنان ادوار مونيه، ومجموعة الرسامين الانطباعيين ومع إبداعات الكتاب الرمانسيين، ومع خلطة موسيقى الجاز الافرو اميركية التي تنبعث رخيمة ما بعد منتصف الليل .ويحدد المسيو ميشيل باستورو عام ١٠٠٠ ميلادي بداية المنعطف التاريخي الذي بدأ فيه اللون الأزرق يرفع بعده رأسه شيئاً فشيئاً بفضل التطور التقني ليس في الآلة، بل في التفكير وما تبعه من تغيير في الذهنيات البشرية مع تبدل الأحاسيس شيئا فشيئا نحو الهدوء، وتسامي المشاعر بين الأرض والسماء. وترافق مثل هذا التغيير في ظهور الأزرق الغامق والأزرق الفاتح وما بينهما من تدرجات في العديد من القطع الفنية، وخاصة في قطع الأثاث وعلى رأسها الخزانات و«ديكوراتها»، ثم استمر هذا التطور! نعم لقد تغير كل شيء اعتباراً من القرن الثاني عشر الميلادي.. فما أن مرت عدة عقود زمنية فقط، حتى عرف هذا اللونـ الأزرقـ طفرة كمية ونوعية كبيرة. لقد أصبح الأزرق على الموضة في الأنسجة والألبسة وفي الفنون والصور.. كما تنبؤنا بذلك جملة من المصادر المادية والكتابات الوصفية.. وزاد الإنسان من الفته له كثيرا، فلقد اجتاح ميدان النقش على الزجاج والرسم في المخطوطات، بل وزاد كثيراً استخدام لفظة «ازرق» في القواميس الشائعة. وفي الوقت الذي كان فيه اللاتينيون يجدون صعوبات كبيرة من اجل تسمية اللون الأزرق، فإن اللغات المشتقة عن اللاتينية وعلى رأسها الفرنسية أوجدت الكثير من المفردات للدلالة على تباينات هذا اللون الذي كان قد أصبح على الموضة قبل فترة زمنية وجيزة! هكذا تمت الدلالة على الأزرق السماوي، والأزرق البحري والأزرق الليلي، والأزرق الرمادي، والأزرق الطاووسي، والأزرق البترولي، والأزرق الغامق، والأزرق اللازوردي.. الخ . ولكن ؟ إذا كان الأزرق بكل تشكيلاته سيد الألوان في اوروبا ، فليس معنى ذلك انه سيد الألوان في أرجاء المعمورة !

 

الأزرق دليل على التوازن والانسجام والحرية

وإذا كان من الشائع التعبير عن بعض الدلالات للألوان حيث يشير الأبيض للسلام، والأسود للحداد، والأحمر للعنف، فإن الأزرق قد أصبح يدل منذ نهايات العصور الوسطى على الفرح والحب والاستقامة والهدوء .. وقد استطاع هذا اللون بانتصاره أن يحتفظ بهذه الدلالات كلها عبر جميع التبدلات السياسية التي مرّت بها قارة أوروبا، وخصوصا فرنسا التي شهدت عام ١٧٨٩ ثورتها البورجوازية الكبرى.. لكن بقي اللون الأزرق هو احد الألوان الأساسية لعلم فرنسا المرسوم بالأزرق والأبيض والأحمر، وحيث أن الأبيض يشير للنظام الملكي في تاريخ فرنسا والأحمر للثورة.. أما الأزرق، فيتم اعتباره بمثابة دليل على التوازن، والانسجام والحرية.. اي انه لون وسطي بين اليمين واليسار، مثل التيار السياسي الذي يعبر عن الوسط اليوم في فرنسا.

 أن الإنسان هو ابن الأرض، والأرض كائن ازرق، كما بدت واضحة من أعماق الفضاء، وان التجانس بين الأرض والسماء يشكلها قاسم مشترك هو اللون الأزرق.. فمن يرفض الحرب يهوى اللون الأزرق، ومن ينسجم مع المحبة والسلام يرغب باللون الأزرق، ومن يريد الهدوء والتأمل فلا يجد بغيته إلا في اللون الأزرق! لقد كانت هناك اختيارات للألوان في العهود الإسلامية، فالأبيض هو رمز الأمويين، والأسود هو رمز العباسيين، والأخضر هو رمز العلويين والفاطميين أما الأحمر ، فقد اختاره كل من أشراف مكة والعثمانيين.. إن لكل شعب من الشعوب اليوم اعتزازه بلون معين أو لونين للدلالة على تاريخ أو حاضر معينين، وسأفرد حول هذا « الموضوع »كتابة جديدة لقياس طبيعة رؤية كل شعب من الشعوب.

المصدر : الوفاق