18 / 11 / 2019 م      ۲۷ / ۸ / ۱۳۹۸ هـ . ش
الاثنين
ربيع الأول / 1441 هـ
٢٠

کل الأخبار

كلمة ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي في جامعة الإمام الحسين عليه السلام التابعة للحرس الثوري

2019-10-13

                                                                                    بسم الله الرحمن الرحیم

والحمد لله ربّ العالمین، والصلاة والسلام علی سیدنا ونبینا‌ أبي القاسم المصطفی محمد، وعلی آله الأطیبین الأطهرین المنتجبین، سیما بقیة اﷲ في الأرضین.

السلام علی الحسین وعلی علي بن الحسین وعلی أولاد الحسین وعلی أصحاب الحسین الذین بذلوا مهجهم دون الحسین (علیه ‌السلام)

 

أولاً أبارك هذه المراسم وهذا اليوم لكم أنتم الشباب الأعزاء وثمار قلب الشعب الإيراني الثوري والثمار اليانعة لشجرة الثورة الطيبة إن شاء الله؛ سواء الشباب الذين أنهوا دراساتهم وتسلّموا رُتبهم والتحقوا بركب حرس الثورة الإسلامية أو الشباب الذين خاضوا هذا الميدان وأخذوا شاراتهم اليوم وسيواصلون دراساتهم في هذه الجامعة المباركة بإذن الله.

سأتناول الحديث اليوم معكم حول ثلاثة موضوعات: الأول حول نفس هذه الجامعة، والثاني حول حرس الثورة الإسلامية، والثالث حول القضية الأساسية المتعلقة بنظام الجمهورية والإسلامية وبهذا البلد.

فيما يخص هذه الجامعة - سواء الجامعة الشاملة أو جامعة الإمام الحسين (عليه السلام) لإعداد الضبّاط - ينبغي القول بأنها تعدّ واحدة من البركات الإلهية الكبرى على كل من يدرس في هذه الجامعة أو يخدم في هذه الجامعة أو سينتفع من بركات خريجي هذه الجامعة إن شاء الله.. إنها من البركات الإلهية. وإني أصرّ على القول بأنّ الجامعة هذه جامعة مهمة، في سبيل أن يركّز المسؤولون الموقّرون للحرس الثوري على قضايا هذه الجامعة وعلى رفع شأنها ومكانتها.

علماً بأنّ التقرير الذي قدّمه القائد المحترم (للحرس الثوري) كان جيّداً يبعث على التفاؤل ويدل على التقدّم. والمراسيم التي أجريتموها في هذا اليوم كذلك تنبئ عن استمرارية إبداعات شباب الحرس الثوري، حيث كانت جميلة رائعة في مضمونها ومغزاها، ولكن كما كرّرنا وأكّدنا مراراً، نحن نبتهج ونفتخر، سوى أننا غير قانعين، فلابد من مواصلة هذه الحركة التقدمية، سواء على الصعيد العلمي والتربوي للجامعة أو على مستوى الموضوعات الأخرى التي سأشير إليها، ومنها نظام الاستقطاب واختيار الأعضاء وهو أمر بالغ الأهمية، ويجب التركيز والتشديد عليه، (ومنها) البرامج التدريبية العميقة، إذ لابد وبكل تأكيد أن تكون البرامج التدريبية عميقة.

إنّ المسائل التي أشار إليها قائد الحرس الثوري مسائل هامة، ولقد صدق فيما قال بأن المستقبل العلمي للبشرية وللعالم يتجه باتجاه المسائل الحديثة، ونحن لسنا متخلفين عنها والحمد لله. فلابد من التركيز على هذه المسائل مهما أمكن: التدريب العميق، والتربية الشاملة، وتحلّي مدراء هذه المجموعة بالتخصصات الضرورية، والمنهجية. فإن واحدة من الأمور التي أشدّد عليها هي القانونية والمنهجية في جميع قضايا هذه الجامعة، وذلك إلى جانب الارتباط العاطفي والأخوي بين القيادات والمدراء وبين أفراد المجموعة، على الرغم من وجود القوانين الصارمة والنظام الرصين، وهذه هي السمة التي يتسم بها الحرس الثوري منذ بداية تأسيسه، حيث كانت القيادات العليا للحرس الثوري تتعامل مع أفراد مجموعتها تعاملاً أخويّاً. ومن النقاط الأخرى هي أن أساتذة هذه الجامعة يؤمنون إيماناً راسخاً بقضايا الثورة وبالحرس الثوري. فلابد من التركيز على هذه المسائل، ونحن نطالب أعزاءنا وإخواننا ومسؤولي الحرس الثوري بالتركيز على قضايا هذه الجامعة، فإنها جامعة كبيرة الأهمية، وستضطلع بدورها إن شاء الله في شؤون البلاد الرئيسية.

الموضوع الثاني حول الحرس الثوري.. لمن دواعي الحمد أنّ الحرس الثوري اليوم يتسم بالعزة في داخل البلد وفي خارجه كذلك. ومن الملفت أن الأعداء أيضاً قد ساهموا في ازدياد هذه العزة. فإنّ الأمريكيين بوجوههم العبوسة والمكفهرة والعدوانية المناوئة للحرس الثوري زادوا الحرس عزّة ومنعة.. هذه بالتالي هي مساهمة العدوّ فيما نرتضيه ونرغب فيه. ذلك إنّ عدوّ الله يعادي عباد الله، والعِداء هذا يزيد وجوه عباد الله نوراً وتألقاً ويرفع من عزتهم.

هنالك درسٌ ماثلٌ أمام الحرس الثوري على الدوام، علماً بأني قبل بضعة أيام أسهبتُ الحديث حول الحرس الثوري خلال لقائي بقادته، وذكرتُ ما ينبغي ذكره إلى حدّ ما، ولكني أؤكّد على أنّ هنالك درسٌ ماثلٌ أمام أعين الحرس الثوري على الدوام، وهو عبارة عن هذه الآية الكريمة: ﴿بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ * وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم﴾، وهي تنطوي على نقاط عدة:

أولاً الإعداد والتجهيز بقدر الاستطاعة؛ أي لا تقنعوا بحدّ، وضاعِفوا من جهوزيتكم في الأمور التي ذكرتها الآية ما استطعتم. فعلى الحرس الثوري أن يضاعف من جهوزيته يوماً بعد آخر. وأما المواطن التي تتحتّم عليكم الجهوزية فيها فهي «القوة» أولاً و«رباط الخيل» ثانياً. القوة تعني القدرة والطاقة، ورباط الخيل تعني الآليات والمعدات المختلفة والتي تتناسب مع كلّ مرحلة. ولكن ما هو الهدف؟ ﴿تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم﴾. وقوله «ترهبون» لا يعني إخافة العدوّ وحسب، وإنما الخوف هذا سيكون رادعاً. فلو خاف العدوّ من اقتداركم واستعدادكم سيكون الخوف هذا رادعاً له. فعليكم أن تفعلوا ما من شأنه شعور العدوّ بالخوف من هيبة الرجال الشباب المؤمن المضحي المتحفّز، وهذا بحدّ ذاته هو أهم عامل للردع.

والقوة هذه، في قوله: ﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ﴾، تتجلى في جوانب مختلفة: أولاً القوة المؤسساتية، بأن تكون المؤسسة قوية رصينة شاملة. والقوة المؤسساتية هذه تعدّ من المسائل التي لابد وأن يأخذها الحرس الثوري بنظر الاعتبار.

(ثانياً) القوة العلمية والتخصصية، فإن جميع الحركات الناجحة للطوائف البشرية المختلفة إنما أُنجزت بادئ ذي بدء تحت ظلّ العلم، إذ بالعلم تُكتسَب السلطة والثروة والقدرة الدولية والعزة، وهذا هو السبب الذي أدى بالإسلام إلى أن يؤكّد على العلم أيما تأكيد. إذن فالعلم يعتبر مكوّناً هاماً من مكوّنات القوة.

(ثالثاً) القوة في التكتيك والاستراتيجية، فعلى المنظومة العسكرية لحرس الثورة الإسلامية أن تتجهّز وأن تنطلق وأن تتقدم يوماً بعد آخر في القضايا التكتيكية والاستراتيجية.

(رابعاً) القوة في مجال الوعي واليقظة والجهوزية. فالغفلة مرفوضة أبد الدهر، ولابد أن تكونوا على وعي ويقظة باستمرار، فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «من نام لم يُنَم عنه».. إذا استولى عليك النوم في الخندق، فهذا لا يعني أنّ من في الخندق الأمامي أيضاً قد خَلَد إلى النوم، بل قد يكون يَقِظاً، فلابد أن تكون في الخندق يَقِظاً جاهزاً على الدوام.

القوة تعني العزيمة الفولاذية الراسخة.. القوة تعني الإيمان الصلب الخالص.. القوة تعني المحفّز المتزايد.. هذه كلّها من مكوّنات القوة، ﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ﴾، وعليكم إعدادها بأسرها. القوة تعني تربية شباب متحفز عالي الهمم. وجامعة الإمام الحسين للضباط تعدّ تجسيداً للقوة، حيث تقوم بتربية شباب يتسمون بالهمة والإيمان.. هذه كلها تدخل في عداد القوة وتشملها قوله ﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ﴾.

وأما «رباط الخيل» فهي الآليات والمعدّات التي لابد وأن تكون متطورة. ففي عهد الطاغوت كانت قد طغت علينا التبعية والتخلّف وفقدان الخبرة، حيث كنا نمتلك بعض الأسلحة دون أن نعرف طريقة استخدامها! هذه هي خصائص حاكمية الطاغوت. ولذا يجب أن تكون المعدّات متطورة، وأن تكون غير تابعة، وأن تعود إليكم، وأن تكون من صنيعكم ونتاجكم وإبداعكم، وأن تكونون أنتم المالكين لها بكل معنى الكلمة، وأن تكون حديثة، فإنّ المعدّات التي كانت تُستخدم قبل عشرة أعوام قد لا تنفع اليوم، فانظروا ما هي احتياجاتنا في الوقت الراهن. إذن يجب أن تكون المعدّات حديثة، وأن تكون متنوعة، تشمل الأدوات الاستخباراتية والتنفيذية، و(تتناسب مع متطلبات) الأرض والجو والفضاء والبحر والحدود وداخل البلد وكل مكان. فالتنوّع في الأدوات والآليات لابد وأن يؤخَذ بنظر الاعتبار. كما أنّ الفضاء المجازي والألعاب الحربية أيضاً تدخل اليوم في عِداد الأدوات ولابد من الاهتمام بها. إذن تلك هي القوة وهذه هي الأدوات والمعدات، فعليكم بإعداد أنفسكم وتجهيزها ما استطعتم في هذه المجالات.

خلال فترة الحكم الطاغوتي التابع الفاسد كانت مخازننا مليئة بالمعدّات الأمريكية، وكان لا يحق لنا آنذاك فتح الكثير منها حتى والنظر إليها والتعرّف على قِطع غيارها وتبديلها بأنفسنا إن أمكن ذلك. فإن المطّلعين على مجريات الأحداث يومذاك من الإخوة الأعزاء في الجيش، أخبروني حينها وقالوا بأنه أحياناً ما يضعون علبة مغلقة - تضم عشرين أو ثلاثين قطعة من العتاد - في الطائرة ويُرسلونها إلى أمريكا ليتم تصليحها هناك واستعادتها، دون أن يسمحوا للظابط الفني أو للأخ العسكري المعني بالأمر أن يفتحها وينظر إليها ويقوم بتصليحها. فقد كانت المخازن مليئة بالسلاح، بيد أنه سلاح كان لغيرنا والإذن باستخدامه بيد غيرنا؛ أينما أذن بذلك يُستخدم، وإن لم يأذن لا يمكن استخدامه. إذ كان من الواجب تسيير عجلة مصانع السلاح الأمريكي بأموال الشعب. هذا كان أحد عنصرَي القوة لنظام الطاغوت، والعنصر الآخر هو أن يكون شرطيّ المنطقة بأمرٍ من أمريكا، بمعنى أن يبادر النظام الطاغوتي الإيراني قبل انتصار الثورة إلى إزالة العقبات في المنطقة أمام أمريكا، وأن يُخرس ويقمع أي صوت مناهض لأمريكا فيها، وذلك بأموال الشعب الإيراني وبطاقاته البشرية. واليوم قد انعكست القضية بالكامل، فإن الشعب الإيراني اليوم هو الذي يبادر بنفسه وهو الذي يعمل بإرادته وهو الذي ينطلق بقدرته وهو الذي يفعل ما يصبّ في مصلحة بلده. والقوة تعني أن نأخذ كل هذه الأمور بنظر الاعتبار.

وإن من مصاديق القوة التي يشهدها العالم الإسلامي في الوقت الراهن هي مسيرة الأربعين، ﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ﴾.. المسيرة الأربعينية تجسيد لقوة الإسلام وقوة الحقيقة وقوة جبهة المقاومة الإسلامية، حيث تنطلق هذه الحشود الجماهيرية المليونية الهائلة باتجاه كربلاء وباتجاه الحسين وباتجاه قمة وذورة الفخر والتضحية والشهادة، وباتجاه ذلك الذي يجب على أحرار العالم بأسرهم أن يستقوا منه الدروس. وإن أهمية الأربعين الأول منذ ظهوره كانت بمقدار ما هي اليوم عليه، والأهمية هذه تكمن في أنه يعتبر وسيلة عاشوراء الإعلامية المقتدرة. فإنه منذ يوم عاشوراء وحتى يوم الأربعين، حيث عودة أهل البيت إلى كربلاء على رواية، قد تجلت في هذه الأيام الأربعين سيادة منطق الحق في وسط الحكم الأموي والسفياني المظلم. وإن صرخة زينب الكبرى وصرخة الإمام السجاد في الكوفة وفي الشام وفي تلك الأجواء المظلمة الحالكة شكّلت أكبر وسيلة إعلامية حقيقية. فإن هذه الصرخات هي التي حافظت على عاشوراء وأبقتها حية حتى هذه اللحظة.. هذا هو تأريخ يوم الأربعين وجذوره. ولقد أثار يومذاك أهل البيت (عليهم السلام) خلال هذه الحركة الأربعينية إعصاراً هائلاً في تلك الأجواء الخانقة الغريبة. حيث كان الخناق آنذاك لدرجة لم يبق مع الإمام الحسين، وهو سبط النبي وفلذة كبد الزهراء الطاهرة، سوى ٧٢ رجلاً. وفي ظلّ هذه الأجواء، نجد الصرخات هذه هي التي أوجدت قضية التوابين في الكوفة وهي التي قلبت المدينة والشام، حتى آلت إلى سقوط النظام السفياني.. هذه هي حقيقة الحركة الأربعينية العظيمة التي انطلقت بها زينب الكبرى وأهل البيت (عليهم السلام).

وهذا ما يحدث اليوم أيضاً. ففي الوقت الراهن وفي وسط هذا العالم الحاكم على البشرية، بما فيه من تعقيدات ودعايات كثيرة وصخب كبير، تعدّ هذه المسيرة الأربعينية صرخة بليغة ووسيلة إعلامية فريدة وظاهرة ليس لها نظير في العالم، وهي أن ينطلق الملايين من الناس، لا من مدينة أو بلدة واحدة، بل من مختلف البلدان، ولا من فرقة إسلامية واحدة، بل من مختلف الفرق الإسلامية بل وحتى من بعض الأديان غير الإسلامية، وهذا هو تجسيد للوحدة الحسينية. ولقد صدقتم في قولكم: «الحسين يجمعنا»، وهو حقاً كذلك، فإنّ الحسين هو الذي يصنع هذا الاجتماع العظيم. وإنّ هذه القلوب تقطع آلاف الخطى وتنطلق وتتجه بأسرها نحو ذلك المعدن وذلك النبع الفياض المترع بالمعنوية والحرية، وتستعرض هذا الاجتماع أمام العالم المادّي المعاصر. ونسأل الله أن تزداد هذه الحركة اتّساعاً وعمقاً يوماً بعد آخر.

ولحسن الحظ فإن مراسمنا ومجالس عزائنا للإمام الحسين (عليه السلام) في هذا اليوم، من حيث المعنوية ومن حيث بث الأفكار وإشاعة المعارف الإسلامية، تعتبر أكثر عمقاً مما كانت عليه قبل خمسين أو أربعين عاماً على سبيل المثال. والأربعين أيضاً كذلك، لابد وأن يزداد عمقاً يوماً بعد يوم. فليبادر أهل الحكمة والعلم إلى التفكير وبذل الجهود والمساعي في هذه المجالات إن شاء الله.

الموضوع الثالث يحوم حول منحى الجمهورية الإسلامية وحركتها ومسارها. نحن منذ انطلاقة الثورة بدأنا بحركات كبرى. ففي مختلف المجالات، بما فيها المبادئ وحياة الناس وبناء البلد وتربية الناس، قد انطلقت حركات كبيرة وتحققت نجاجات عظيمة. علماً بأن مواطن النقص كثيرة والمشاكل ليست بالقليلة، بيد أنّ حالات النجاح والتقدّم فاقت هذه المشاكل. والحركة التي قُطعت حتى اليوم مذهلة لأولئك الذين بوسعهم إدراك أبعادها. ولكن لابد وأن يتبيّن منحى هذه الحركة لمواصلة الطريق، فما هو منحاها واتجاهها؟ نحن حسينيون بالتالي، والإمام الحسين هو الذي حدّد منحى هذه الحركة، عندما وقف خطيباً في إحدى منازل الطريق وقال: «أَیُّهَا النّاسُ! إِنَّ رَسولَ الله صَلَّی اللهُ عَلَیهِ وَآلِهِ قالَ: مَن رَأَى سُلطاناً جائِراً مُستَحِلّاً لِحُرُمِاتِ الله ناکِثاً لِعَهدِ الله... یَعمَلُ في عِبادِ الله بِالجَورِ وَالعُدوانِ ولَم یُغیِّر عَلَیهِ بِقَولٍ وَلا فِعلٍ کانَ حَقّاً عَلَى الله أَن یُدخِلَهُ مدخَلَه».. يا له من كلام عظيم مذهل! أولاً الخطاب للناس ونحن منهم، إذن فالخطاب لنا أيضاً. ثم إنّ الخطاب لم يقتصر على المؤمنين ولا على تلك الثلة الملازمة للإمام، وإنما هو خطاب للبشرية، لا في ذلك الزمان وحسب، بل في كل الأزمنة وإلى يومنا هذا.

يروي الإمام عن النبي حديثاً يبيّن فيه فلسفة حركته، وكأنه يقول بأني أعمل بما قاله النبي، حيث أمرني أن أقوم بهذا العمل.. ماذا قال النبي؟ «مَن رَأَى سُلطاناً جائِراً»، والسلطان لا يعني الملك فقط، وإنما هو السلطة التي تتمثل اليوم في جبهة الكفر والاستكبار وجبهة الصهيونية وأمريكا، ولكم أن تنظروا اليوم إلى ما يجري في العالم من ظلم قد استشرى في كل مكان: تأجيج نيران الحروب، وفرض الضغوط الاستعمارية، وامتصاص دماء الشعوب، والضغط على الناس، وإثارة الحروب الأهلية، إلى غير ذلك من الجرائم التي يرتكبها الاستكبار في الوقت الراهن.

«یَعمَلُ في عِبادِ الله بِالجَورِ وَالعُدوان»، ولم يقل «يعمل في المؤمنين»، فإن ذلك الشيء الذي يضع على كاهلكم المسؤولية، لا ما يمارسه السلطان تجاه المؤمنين، وإنما «یَعمَلُ في عِبادِ الله» وفي أبناء البشر. فإنه أيما جبهة وسلطة ومركز جائر يواجه الناس بهذه الأعمال: «یَعمَلُ في عِبادِ الله بِالجَورِ وَالعُدوان»، عندذاك ماذا سيكون الناتج؟ وما هو الواجب.

«ولَم یُغَیِّر عَلَیهِ بِقَولٍ وَلا فِعلٍ».. من يرى مثل هذه السلطة أمامه ولم يتخذ موقفاً مناهضاً ضدّها، والموقف هذا تارة يكون بالقول وتارة بالفعل، فقد يقتضي الأمر أن تجابه هذه السلطة الجائرة عملياً، وقد لا تكون الظروف مؤاتية لذلك، ولكن عليك أن تتخذ موقفاً على أقلّ تقدير. التفتوا! هذا هو الذي يحدّد واجبنا في هذا اليوم.

«کانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَن یُدخِلَهُ مُدخَلَه»، فقد كتب الله سبحانه وتعالى لنفسه حقاً بأن يُدخل ذلك الشخص، الذي لم يتخذ موقفاً ولم يحرّك ساكناً أمام الظلم والجور والعدوان على عباد الله، يُدخله في نفس ذلك المكان ويجرّه إلى نفس ذلك المصير الذي سيجّر ذلك الظالم إليه؛ أي إلى نار جهنم.. هذه هي القضية. والإمام الحسين يقول بأني نهضت لهذا السبب.

ذات مرة أسهبتُ الحديث حول تبيان حركة أبي عبد الله ونهضته، حيث يقول البعض بأن الإمام الحسين (عليه السلام) قد نهض من أجل استلام الحكم والسلطة، وهذا ما ذهب إليه بعض المؤمنين أيضاً، ولكنهم مخطئون، والبعض الآخر يقول بأنه نهض لنيل الشهادة. وأنا أقول بأنه نهض لأداء الواجب، ولكن في هذا الطريق قد يصل الإنسان إلى الحكم، ولا بأس في ذلك، وقد ينال الإنسان الشهادة، ولا ضير في ذلك أيضاً. والمراد هو أن نتمكّن من إنجاز هذا العمل وأداء هذا الواجب.. هذه هي القضية الماثلة أمام الجمهورية الإسلامية.

هذا هو السبب من عدم استسلامنا في مواجهة أمريكا، وهذا هو السبب من عدم ركوعنا بتوفيق الله أمام ضغوط العدوّ الإعلامية، لأنه واجب لو تخلّينا عنه كان حقاً على الله أن يُدخلنا مدخله. لو تراجعنا وتنازلنا سيبتلينا الله تعالى بنفس ذلك المصير ونفس تلك النار التي يبتلي بها ذلك الظالم.. هذا هو واجبنا وهذه هي الجمهورية الإسلامية. ولهذا السبب نجد الإمام الخميني منذ بداية نهضته وقف في وجه أمريكا، حيث كان يتحدث عن أمريكا في خطاباته وهو مازال في قم وقبل أن يُنفى. ففي إحدى خطاباته التي ألقاها في قم، قال الإمام (رضوان الله عليه) بأنّ أكثر الأشخاص كراهية بين أبناء بلدنا في الوقت الراهن هو الرئيس الأمريكي، والقضية هذه تعود إلى ما قبل خمسين عاماً. فلقد كان الإمام بصيراً واعياً يشهد الحقيقة ويُدركها، وكان مؤمناً بقوله تعالى: ﴿وَلَیَنْصُرَنَّ‌ اللهُ مَنْ یَنْصُرُهُ﴾، وقد نصره الله بالفعل

وأقولها لكم أيها الشباب الأعزاء! واصلوا هذا الدرب باقتدار وحُثّوا الخطى نحو الإمام. والخطاب هذا لم يُوجَّه لكم وحسب، بل لكافة شباب الشعب الإيراني ولكلّ القلوب الطاهرة والأرواح الزاكية التي تريد أداء واجبها الإلهي والإنساني، فمن صمد في طريق الثبات والاستقامة أمام أعداء الدين والبشرية سيحظى بنصرة الله لا محالة، ﴿وَلَیَنْصُرَنَّ‌ اللهُ مَنْ یَنْصُرُهُ﴾. وكما أننا بتوفيق الله انتصرنا في هذه الأعوام الأربعين، سنتخطى في المستقبل أيضاً وفي الخطوة الثانية والخطى التالية كل الموانع والعقبات وسننتصر على الأعداء بتوفيق من الله.

والأمل معقود على الشباب، ولكن لا يعني ذلك أنّ غير الشباب لا يحملون مسؤولية في هذا الطريق، فإن لغير الشباب وللشيوخ مسؤوليتهم أيضاً. ولقد رأيتم إمامنا الخميني العظيم كيف كان في سنّ الشيخوخة يتحرك كالشباب ويتحدث كالشباب ويفكّر كالشباب، بيد أنّ المحرّك في كل مجتمع هم الشباب. فعلى الشباب أن يُعدّوا أنفسهم ويُعدّوا أذهانهم ويتعرّفوا على دسائس العدوّ. فإنّ أول هدف يستهدفه العدوّ هو عبارة عن أفكاركم وأذهانكم وما هو حاكم على آرائكم.. هذا هو أول هدفٍ لهجوم العدوّ. حيث يسعى عبر أنواع المكائد والحِيَل تغيير هذا الفكر، فإن تغيّر الفكر سيتغيّر الفعل بطبيعة الحال. فلا تسمحوا بتغيير أفكاركم ولا تسمحوا بتثبيط عزائمكم ولا تسمحوا للعدوّ عبر دسائسه بإزالة قوة إيمانكم وعلوّ همتكم. بل قِفوا بقوة وتوكّلوا على الله واعلموا أنّ الله معكم، و﴿أَنَّ اللهَ مَعَ الـمُتَّقِیْن﴾، وأنّ الله مع السائرين في سبيله، وسينصر المجاهدين بإذنه ومشيئته.

والسلام علیکم ورحمة الله وبرکاته

 

 

المصدر: موقع الإمام الخامنئي

الترجمة: صفحة راية الخامنئي